ملف خاص | هندسة السلام بين روسيا وأوكرانيا.. هل يُغيّر حراك التسوية معادلة الطاقة والتجارة والاقتصاد العالمي؟

نشر
آخر تحديث
ملف خاص | هندسة السلام بين روسيا وأوكرانيا.. هل يُغيّر حراك التسوية معادلة الطاقة والتجارة والاقتصاد العالمي؟

استمع للمقال
Play

اقرأ في هذا الملف:

 

◼️ نظرة بانورامية على ما خلفته الحرب في أوكرانيا من متغيرات اقتصادية عميقة،  وما الذي يمكن أن يتغير إذا انتقلت الجهود الدبلوماسية من محاولات التقارب إلى اتفاق ينهي الصراع؟

.. وخبراء يشرحون التأثير المحتمل لأية تسوية محتملة بين روسيا وأوكرانيا على خريطة الطاقة والتجارة

◼️ دبلوماسي روسي لـ CNBC عربية: انتهاء الحرب قد يفتح المجال أمام استئناف التعاون الاقتصادي مع أوروبا.. لكن دون  المستويات السابقة.. قد تتخذ هذه العلاقات مستقبلاً طابعاً ثنائياً مع الدول الأوروبية، بدلاً من أن تتركز في إطار العلاقة بين روسيا والاتحاد الأوروبي

◼️ رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار لـ CNBC عربية: المفاوضات ستتناول عدة ملفات.. تشمل التطورات الميدانية والعسكرية والقضايا السياسية، إلى جانب الضمانات والتعويضات

◼️ عالم سياسة أميركي لـ CNBC عربية: تقدم نحو إبرام اتفاق.. وسيعتمد الأمر بشكل كبير على نطاق هذا الاتفاق، ورد فعل الجانب الأوروبي، فضلاً عن تطورات السياسة الداخلية في الولايات المتحدة ونتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية


ملف خاص- CNBC عربية- محمد خالد

بعد سنوات من الحرب، تبدو المواجهة بين روسيا وأوكرانيا أمام منعطف جديد حاسم؛ مع تجدد التحركات الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الصراع، وتصاعد المؤشرات على إمكانية استئناف المفاوضات بين الأطراف المعنية.

تطورات متسارعة تعيد التسوية إلى دائرة الاحتمالات، وتفتح الباب أمام تساؤلات بشأن فرص إنهاء واحدة من أكثر الحروب تأثيراً في المشهدين السياسي والاقتصادي العالميين، بعد أن تجاوزت تداعياتها حدود البلدين إلى أسواق الطاقة والتجارة والاستثمار.

لكن الطريق إلى السلام لا تزال محفوفة بتعقيدات تتجاوز وقف العمليات العسكرية، في ظل خلافات سياسية وأمنية لم تُحسم، وملفات اقتصادية شائكة تتعلق بالعقوبات والأصول المجمدة وإعادة الإعمار والتعويضات، في خطٍ متوازٍ مع مواقف متعارضة بين عديد من الأطراف، بما في ذلك الموقفين الأميركي والأوربي.

اقتصادياً، إذا نجحت الجهود الدبلوماسية في التوصل إلى اتفاق، فإن انتهاء الحرب لن يعني بالضرورة انتهاء كلفتها، أو عودة الاقتصادين الروسي والأوكراني سريعاً إلى ما كانا عليه قبل اندلاعها، كما لن يمحو التحولات التي فرضها الصراع على الاقتصاد العالمي.

وبين حسابات الحرب ورهانات السلام، تبرز أسئلة تتعلق بحجم الخسائر التي تكبدها الاقتصادان، وقدرتهما على التعافي لاحقاً، ومصير الأموال الروسية المجمدة، ومن سيتحمل فاتورة إعادة الإعمار، فضلاً عن انعكاسات أية تسوية محتملة على خريطة المصالح الاقتصادية الدولية.

يُلقي هذا الملف الخاص من CNBC عربية نظرة بانورامية على ما خلفته الحرب من متغيرات اقتصادية عميقة،  وما الذي يمكن أن يتغير إذا انتقلت الجهود الدبلوماسية من محاولات التقارب إلى اتفاق ينهي الصراع؟ وما تأثير أي تسوية محتملة بين روسيا وأوكرانيا على خريطة الطاقة والتجارة، لا سيما أن تلك الملفات شهدت تغيرات جوهرية بسبب تداعيات الحرب؛ فهل هي مرشحة للاستمرار بعد التسوية وقد صارت جزءاً من بنية التفاعلات الدولية؟

 

أحدث التطورات

 

 ◼️ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يقول: "نقترب من التوصل إلى تسوية للحرب الروسية في أوكرانيا".. وهي تصريحات تأتي بعد مفاوضات أميركية مع  روسيا وأوكرانيا بشكل منفصل.

◼️ الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، من جانبه يقول إن أوكرانيا  تدعم مقترحاً لعقد محادثات ثلاثية  على مستوى المفاوضين  في أقرب وقت ممكن.. زيلينسكي يشير إلى أن اجتماعاً كهذا قد يتناول مقترحات السلام وإمكانية عقد قمة بين قادة الدول المعنية.

◼️ مستشار الكرملين للسياسة الخارجية  يوري أوشاكوف يقول إن جولة جديدة من المحادثات  الثلاثية قد تُعقد في أبوظبي، مضيفاً أن  هناك  اتفاقاً على أن تكون  في منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني تقريباً.. المسؤول الروسي يعتقد بأن الصراع بين روسيا وأوكرانيا يقترب من نهايته لكنه أوضح أن من الصعب تحديد مدى قرب التوصل إلى هذه النهاية.



وراء هذا الحراك الدبلوماسي المتسارع ورغبة الأطراف في الجلوس إلى طاولة المفاوضات، تقف واقعية الأرقام لتفرض نفسها على المشهد؛ إذ تتوسع  فاتورة سنوات الحرب من البعد العسكري والجيوسياسي لتمتد محدثة استنزافاً عميقاً في هيكل الاقتصادين الروسي والأوكراني على حدٍّ سواء، وتداعيات أشد وطأة على الاقتصاد العالمي.

وقبل استشراف ما قد تحمله التسوية من سيناريوهات للتعافي، تبدو قراءة حجم الخسائر التي تكبدها الطرفان مدخلاً ضرورياً لفهم دوافع الفاعلين ورسم حدود الحركة أمامهما.

كم بلغت خسائر الاقتصادين الروسي والأوكراني جراء الحرب؟

بالنسبة للاقتصاد الروسي، تكشف المؤشرات الاقتصادية والمالية الرسمية عن تصاعد الضغوط منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا في فبراير/ شباط 2022، مع تزايد تكلفة الإنفاق العسكري وتراجع إيرادات الطاقة واتساع عجز الموازنة، رغم استمرار الاقتصاد في تحقيق نمو خلال سنوات الحرب.

وقدّرت وزارة الخارجية البريطانية في يونيو/حزيران 2025 أن العقوبات حرمت الدولة الروسية من موارد لا تقل عن 450 مليار دولار منذ بداية الحرب، تشمل إيرادات نفطية لم تحصلها الدولة واحتياطيات سيادية مجمدة.

وعلى صعيد الإنفاق العسكري، تقدر بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام الإنفاق العسكري الروسي بنحو 199 مليار دولار هذا العام. ويعكس هذا المستوى حجم الموارد الموجهة إلى القطاع العسكري، وإن كان لا يمثل بالكامل التكلفة الإضافية للحرب في أوكرانيا.

وبلغ عجز الموازنة الاتحادية 5.19 تريليون روبل خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، بما يعادل 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 3.47 تريليون روبل خلال الفترة المقابلة من 2025. ورفعت الحكومة تقديراتها لعجز العام بأكمله إلى 3.2% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بمستهدف أصلي بلغ 1.6%.

كما تراجعت إيرادات النفط والغاز الاتحادية بنسبة 17.2% خلال الفترة من يناير/ كانون الثاني إلى سبتمبر/ أيلول 2026، إلى 5.47 تريليون روبل، وفق بيانات وزارة المالية الروسية.

وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي في أكتوبر/ تشرين الأول إلى نمو الاقتصاد الروسي بنسبة 0.9% فقط خلال 2026 و2027، في إشارة إلى استمرار التباطؤ.

وفيما يخص أوكرانيا، كشف تقييم الأضرار والاحتياجات (RDNA5)، الذي أُجري بالتعاون بين مجموعة البنك الدولي وحكومة أوكرانيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، عن أنه حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2025، قُدّرت الخسائر الإجمالية بنحو 195.1 مليار دولار.

كانت قطاعات الإسكان والنقل والطاقة الأكثر تضرراً. وارتفعت الخسائر الاجتماعية والاقتصادية إلى 666.7 مليار دولار (..) ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى الاضطرابات التي لحقت بالتجارة والصناعة والخدمات العامة وسبل العيش. وتستمر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في التزايد، حيث تُقدّر حاليًا بنحو 587.7 مليار دولار على مدى عشر سنوات، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لأوكرانيا تقريبًا في عام 2025.



هل تُضمد أية تسوية محتملة جراح الاقتصاد الروسي؟

يقول الدبلوماسي الروسي السابق، ألكسندر زاسبكين، في تصريحات خاصة لـ CNBC عربية، إن الحرب في أوكرانيا فرضت أعباءً مالية على الاقتصاد الروسي، لكنها أسهمت في الوقت نفسه في تنشيط بعض الصناعات المحلية، مشيراً إلى أن العقوبات الغربية دفعت روسيا إلى إحلال المنتجات المحلية محل الواردات، بعد سنوات من الاعتماد على الاستيراد.

ويضيف أن هذه العملية مستمرة، في ظل مطالب من المنتجين المحليين بالحفاظ على هذا التوجه، ما يتطلب متابعة دقيقة من الحكومة والمؤسسات المالية، واتخاذ إجراءات لتشجيع الأعمال والإنتاج المحليين، لافتاً إلى أن هذا الملف يحظى باهتمام الرئيس فلاديمير بوتين والحكومة الروسية.

ويشير زاسبكين إلى أن التحديات الاقتصادية الراهنة لا ترتبط بالحرب وحدها، موضحاً أن الاقتصاد الروسي شهد فترة من النمو السريع أعقبتها مرحلة من التباطؤ، ترتبط بعوامل العرض والطلب والاستهلاك والإنتاج، مشدداً على أن موسكو تقف حالياً عند بداية دورة استثمارية جديدة، تتطلب جهوداً مشتركة بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص.

وفيما يتعلق بالتداعيات الاقتصادية للعقوبات، يوضح أن تأثيرها لم يقتصر على تعزيز الإنتاج المحلي، بل امتد إلى إعادة توجيه العلاقات الاقتصادية الخارجية الروسية من أوروبا الغربية نحو آسيا، مع نمو التعاون، خصوصاً مع الصين والهند وكوريا الشمالية ودول أخرى. ويعتبر أن هذا التحول يمثل توجهاً استراتيجياً مرشحاً للاستمرار خلال المرحلة المقبلة.

ويلفت إلى أن انتهاء الحرب قد يفتح المجال أمام استئناف التعاون الاقتصادي مع أوروبا، لكنه يستبعد عودته إلى المستويات السابقة، معتبراً أن مستقبل العلاقات سيتوقف على الموقف الأوروبي، مشيراً إلى احتمال أن تتخذ هذه العلاقات مستقبلاً طابعاً ثنائياً مع الدول الأوروبية، بدلاً من أن تتركز في إطار العلاقة بين روسيا والاتحاد الأوروبي. كما  يلفت إلى استمرار وصول بعض موارد الطاقة الروسية إلى الأسواق الأوروبية.

ويشدد زاسبكين على ضرورة الفصل بين مناقشة العقوبات الغربية من منظور اقتصادي وبين القضايا السياسية والأمنية والعسكرية، بما فيها التسوية في أوكرانيا وترتيبات الأمن في المنطقة الأورو أطلسية، منتقداً الربط الغربي بين العقوبات والتسوية السياسية.

“

آفاق التعاون الاقتصادي بين موسكو وواشنطن تظل واسعة نظرياً.. والتواصل مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يتيح التوصل إلى اتفاقات مهمة مستقبلاً

الدبلوماسي الروسي السابق، ألكسندر زاسبكين، في تصريحات خاصة لـ CNBC عربية

ووفق الدبلوماسي الروسي السابق، في معرض حديثه مع CNBC عربية، فإن "الحرب دفعت روسيا إلى توسيع علاقاتها مع دول آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، بعد أن لم تحظَ هذه العلاقات بالاهتمام الكافي سابقاً، مؤكداً أن التوسع في أسواق القارات المختلفة سيظل توجهاً استراتيجياً بغض النظر عن مستقبل العلاقات مع أوروبا".

وفيما يتعلق بالولايات المتحدة، يقول إن آفاق التعاون الاقتصادي بين موسكو وواشنطن تظل واسعة نظرياً، وإن التواصل مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يتيح التوصل إلى اتفاقات مهمة مستقبلاً، شرط أن تقوم العلاقات الاقتصادية على المساواة في الحقوق والعدالة والدفاع عن المصالح المتبادلة.

كما يؤكد زاسبكين أن ضمان استقلال القرار الاقتصادي يمثل جزءاً أساسياً من السيادة الروسية، موضحاً أن التجربة السلبية خلال تسعينيات القرن الماضي دفعت روسيا، خلال عهد بوتين، إلى تقليص اعتمادها على النفوذ الغربي وتنويع شراكاتها الاقتصادية. ويخلص إلى أن السنوات الأخيرة عززت إدراك موسكو لقدرات اقتصادها القائم على الموارد المحلية، وهو ما يمثل أحد مرتكزات التوجه السياسي الروسي خلال العقدين الماضيين.

ما مصير الأصول  الروسية المُجمدة؟

وفي السياق، يبزغ ملف "الأصول الروسية المُجمدة" كأحد أبرز المحاور الرئيسية في سياق الحديث عن أية تسوية للأزمة، إذ يظل مصير هذه الأموال مرتبطاً بشروط التسوية، والتعويضات المحتملة عن أضرار الحرب، والإطار القانوني الذي يحكم العقوبات المفروضة على موسكو.

تقدر قيمة الأصول السيادية الروسية المجمدة في الاتحاد الأوروبي بنحو 210 مليارات يورو (منها حوالي 185 مليار يورو موجودة في يوروكلير في بلجيكا)، وفق بيانات الاتحاد الأوروبي، فيما تصل التقديرات الإجمالية للأصول الروسية المجمدة عالمياً إلى نحو 300 مليار دولار، ذلك بالإضافة إلى عشرات المليارات من الأصول الخاصة للأفراد والكيانات الروسية الخاضعة للعقوبات، حيث تتركز الغالبية العظمى منها لدى مركز الإيداع يوروكلير.

وتتمثل إحدى أبرز العقبات في أن تجميد الأصول لا يعني مصادرتها نهائياً، ما يجعل الإفراج عن أصل الأموال مسألة قانونية وسياسية معقدة، لا تُحسم بمجرد وقف القتال أو توقيع اتفاق سلام.

ويظل استخدام هذه الأصول في تمويل إعادة إعمار أوكرانيا وتعويضها عن خسائر الحرب أحد أبرز السيناريوهات المطروحة، خصوصاً أن الاتحاد الأوروبي ربط استمرار تجميد الأصول السيادية الروسية بوقف الحرب وتعويض كييف عن الأضرار.

وتعهد قادة الاتحاد الأوروبي أواخر العام الماضي باستخدام الأصول لتمويل إعادة إعمار أوكرانيا في حال تخلف روسيا عن دفع تعويضات الحرب. إلا أن أي قرار برفع التجميد عن هذه الأصول يتطلب إجماع دول الاتحاد الأوروبي الـ27، وهو أمر مستبعد.

 وبموجب التوجه الأوروبي، قد يتضمن أي اتفاق تسوية آلية للتعويضات تحدد المبالغ المستحقة لأوكرانيا، وكيفية التعامل مع الأصول المجمدة، وما إذا كان يمكن الإفراج عن جزء منها أو توجيهها لسداد القروض المقدمة إلى كييف.

وكانت الولايات المتحدة قد اقترحت أن تقوم الدول الأوروبية برفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية التي تم تجميدها بعد الحرب لأوكرانيا ونقلها إلى كيان تشرف عليه واشنطن في محاولة لإحياء محادثات السلام، بحسب ما ذكرته صحيفة فايننشال تايمز الأسبوع الماضي.

تم طرح الفكرة خلال مناقشات جرت في ميامي هذا الشهر بين مفاوضي السلام التابعين لدونالد ترامب ومسؤولين من أوكرانيا وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

وتقترح واشنطن عدة طرق محتملة لرفع تجميد الأصول، بما في ذلك نقلها إلى كيان مالي جديد ذي غرض خاص تشرف عليه واشنطن. ونقلت الصحيفة عن مسؤول أميركي قوله إن استخدام الأصول الروسية المجمدة نوقش كجزء من اتفاق سلام شامل، وإن آليات الإفراج عنها وأوجه إنفاقها لا تزال قيد البحث.


اقرأ أيضاً:

 

 


اقتصاد كييف المثقل بالتحديات.. هل يشهد انفراجة؟

على الجانب الآخر، يواجه الاقتصاد الأوكراني تحديات متراكمة بفعل الحرب مع روسيا، التي ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية ومنشآت الطاقة والقطاع الصناعي، ورفعت احتياجات الإنفاق الدفاعي وإعادة الإعمار، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الخارجية لتمويل احتياجات الدولة.

كما تضغط الحرب على سوق العمل بفعل النزوح والهجرة ونقص العمالة، بينما تظل استعادة الإنتاج والاستثمار الخاص مرهونة بتحسن الأوضاع الأمنية وتراجع المخاطر المحيطة بالنشاط الاقتصادي. وفي ظل هذه الظروف، تمثل استدامة الدعم المالي الخارجي عاملاً أساسياً في قدرة كييف على الوفاء بالتزاماتها والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.

وبحسب مراقبين، تفتح أي تسوية محتملة للحرب الباب أمام تحسن تدريجي في آفاق الاقتصاد الأوكراني، من خلال خفض المخاطر الأمنية، وتشجيع عودة النازحين واللاجئين، واستعادة حركة التجارة والصادرات، وتهيئة الظروف لعودة الاستثمارات المحلية والأجنبية، غير أن انتهاء القتال لن يعني انفراجة فورية، إذ تقدر كلفة إعادة إعمار أوكرانيا بنحو 588 مليار دولار على مدى 10 سنوات، وفق تقييم مشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة والمفوضية الأوروبية والحكومة الأوكرانية الصادر في فبراير الماضي.

وستظل سرعة التعافي مرتبطة بطبيعة التسوية والضمانات الأمنية المصاحبة لها، وحجم التمويل الدولي المتاح، وقدرة كييف على معالجة اختلالاتها المالية وإصلاح بيئة الاستثمار؛ فالتسوية التي لا توفر استقراراً مستداماً قد تبقي المستثمرين مترددين، وتحد من فرص تحقيق انتعاش اقتصادي قوي.

في سياق متصل، يقول رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار، عماد أبو الرب، في تصريحات خاصة لـ CNBC عربية، إن روسيا لديها أصول مجمدة في أوروبا تتجاوز قيمتها 200 مليار، فضلاً عن العوائد المتحققة منها، ما يجعل جميع الأطراف معنية بالتوصل إلى توافق بشأن آلية ترضي مختلف الأطراف.

“

تسوية ملف التعويضات لن تقوم بالضرورة على إلزام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أو روسيا بالتزامات مباشرة

رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار، عماد أبو الرب، في تصريحات خاصة لـ CNBC عربية

ويوضح أن تسوية ملف التعويضات لن تقوم بالضرورة على إلزام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أو روسيا بالتزامات مباشرة، وإنما قد تأتي في إطار صفقات ومقايضات تتضمن عدة ملفات، من بينها مبدأ التعويضات.

كما يلفت إلى أن أوروبا، التي تقدم قروضاً لأوكرانيا بقيمة تقارب 90 مليار دولار، تعتبر أن سداد هذه القروض يمكن أن يتم من خلال عوائد الأصول الروسية، وكذلك عبر التعويضات المرتبطة بالأضرار الناجمة عن الحرب التي تسببت فيها روسيا، وبذلك، فإن التعويضات التي قد تحصل عليها أوكرانيا يمكن أن تُستخدم لسداد مستحقات أوروبا، مع احتمال حصول كييف على جزء من المبلغ أو نصفه أو أكثر.

ما هي أبرز محاور المفاوضات.. والقضايا الأكثر سخونة؟

ويوضح أبو الرب، في معرض حديثه مع CNBC عربية، أن التقارب الروسي الأوكراني يفتح نافذة جديدة أمام المفاوضات، في ضوء المباحثات التي جرت في وارسو أخيراً، والتي وافق خلالها الجانب الأوكراني على أية هدنة وعلى الدخول في مفاوضات، مشدداً على أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وافق مبدئياً على إجراء مفاوضات بين لجان الخبراء، المقرر عقدها خلال الفترة من 10 إلى 19 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، والتي من المرجح أن تكون أبوظبي مكاناً لاستضافتها.

ويشير إلى أن المفاوضات ستتناول عدة ملفات؛ تشمل التطورات الميدانية والعسكرية والقضايا السياسية، إلى جانب الضمانات والتعويضات، موضحاً أن ملف التعويضات يمثل قضية حساسة، إذ سيحاول كل طرف تقديم موقفه من الناحية القانونية، وتحديد مدى التزامه بأي تعويضات، وما إذا كان يقر بمسؤوليته عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

ويؤكد أن التكهن بمواقف الوسيط الأميركي أو توجهات روسيا وأوكرانيا لا يزال صعباً، معرباً عن أمله في التوصل إلى توافق بشأن هذه المسألة، بما يسهم في إنهاء الحرب وتجنب تحول القضايا المطروحة إلى عقبات أمام المفاوضات المقبلة.


اقرأ أيضاً:

 


 

ما الذي يمكن أن يتغير حال التوصل إلى تسوية؟

أعادت حرب أوكرانيا رسم خريطة الطاقة والتجارة العالمية، بعدما دفعت الدول الأوروبية إلى تسريع تقليص اعتمادها على الغاز الروسي، والبحث عن موردين بديلين، خصوصاً الولايات المتحدة وموردي الغاز الطبيعي المسال.

تراجعت حصة روسيا من واردات الغاز الأوروبية من نحو 45% عام 2021 إلى 12% في 2025، وفق المفوضية الأوروبية، فيما أصبح الغاز الطبيعي المسال يمثل قرابة نصف إمدادات الغاز في الاتحاد الأوروبي.

امتدت التحولات أيضاً إلى مسارات نقل الطاقة والعلاقات التجارية، مع توقف عبور الغاز الروسي عبر أوكرانيا مطلع عام 2025، واتجاه موسكو إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع الصين وأسواق آسيوية أخرى.

وفي هذا السياق، فإن أية تسوية محتملة للحرب قد تفتح الباب أمام إعادة ترتيب تدفقات الطاقة والتجارة، لكنها لن تعني بالضرورة عودة العلاقات الاقتصادية إلى ما كانت عليه قبل عام 2022. فقد أقر الاتحاد الأوروبي تشريعات للتخلص التدريجي من واردات الغاز الروسي، وصولاً إلى وقف واردات الغاز الطبيعي المسال بنهاية 2026 وغاز الأنابيب بحلول خريف 2027، ما يعكس انتقال سياسة تنويع الإمدادات من إجراءات طارئة إلى توجه مؤسسي طويل الأجل.

كذلك، أعادت العقوبات والقيود التجارية تشكيل قرارات الشركات بشأن الاستثمار والشحن والتمويل والتأمين، فيما تواجه روسيا تحديات لوجستية وتعاقدية عند تحويل صادراتها من أوروبا إلى آسيا، ما يعني أن إعادة توجيه التجارة ليست عملية فورية أو خالية من التكلفة.

وبالتالي، يتمثل السؤال الأساسي في مدى قدرة أي اتفاق سلام على تغيير هذه المعادلات، أم أن التحولات التي فرضتها الحرب أصبحت جزءاً من بنية العلاقات الاقتصادية الدولية. فقد يؤدي تخفيف بعض العقوبات أو التوصل إلى تفاهمات بشأن الطاقة إلى استئناف تدفقات تجارية محددة، أو خفض علاوات المخاطر الجيوسياسية في الأسواق، لكن ذلك سيظل رهناً بشروط التسوية والقرارات السياسية والقانونية اللاحقة.


اقرأ أيضاً:

 


 

ما هي فرص التوصل لاتفاق.. وكيف يتأثر الاقتصاد العالمي؟

وعلى الرغم من أن المفاوضات الأميركية الروسية التي جرت في ديسمبر/ كانون الأول 2025، والتي ركزت على التعاون الاقتصادي المتبادل، انتهت دون التوصل إلى اتفاق إلا أن المحادثات قد استؤنفت مؤخراً؛ حيث التقى المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في أوسلو، ثم التقى لاحقاً بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سانت بطرسبرغ، بحضور كيريل ديميترييف، رئيس صندوق الاستثمار الروسي.

ويقول استاذ العلاقات الدولية في كلية هاملتون في نيويورك، آلان كفروني، لـ CNBC عربية، إن "هذه المحادثات قد تحمل تداعيات كبرى على الاقتصاد العالمي"؛ فقد اقترح بوتين -إلى جانب زيادة صادرات الديزل إلى الولايات المتحدة، وهو ما أسهم بالفعل في خفض الأسعار بنسبة 5% مع احتمالية تحقيق انخفاض أكبر بكثير- أن تقوم روسيا أيضاً بتوريد كميات ضخمة من الأسمدة إلى السوق الأميركية.

“

"هذه المحادثات قد تحمل تداعيات كبرى على الاقتصاد العالمي

استاذ العلاقات الدولية في كلية هاملتون في نيويورك، آلان كفروني، لـ CNBC عربية

ويُذكّر كفروني بأن الهجمات التي وقعت خلال العام الماضي على مدينة أوديسا وفي أنحاء منطقة البحر الأسود قد أدت إلى تراجع حاد في صادرات الحبوب الأوكرانية، مما تسبب في ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً.

ويضيف: تتضمن المقترحات الأكثر طموحاً إشراك مستثمرين أميركيين في خطوط أنابيب "نورد ستريم"، بالإضافة إلى إبرام صفقات بمليارات الدولارات مع شركة "لوك أويل". وفيما يتعلق بـ "نورد ستريم"، فإن اتفاقاً كهذا قد يحقق فوائد كبيرة للاقتصاد الأوروبي، ولا سيما الاقتصاد الألماني.

ويستطرد كفروني: مع ذلك، فمن المرجح أن يواجه هذا المقترح معارضة قوية من الاتحاد الأوروبي، رغم الفوائد شبه المؤكدة التي قد تعود على الاقتصادات التي تضررت بشدة جراء انقطاع إمدادات الغاز الروسي.

وبحسب استاذ العلاقات الدولية في كلية هاملتون في نيويورك، فقد تزايدت احتمالات التوصل إلى اتفاق في ظل التهديدات بتقييد وصول أوكرانيا إلى خدمة "ستارلينك" (Starlink) مع اقتراب فصل الشتاء. ومع ذلك، سيعتمد الأمر بشكل كبير على نطاق الاتفاق، ورد فعل الجانب الأوروبي، فضلاً عن تطورات السياسة الداخلية في الولايات المتحدة ونتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة